للاستماع إلى الموضوع
وقد بلغت الخلافة الفاطمية في عهد المستنصر من القوة والاتساع والازدهار ما لم تبلغه من قبل، فوصلت من المحيط الاطلنطي إلى نهر الفرات، ولم يدم الحال طويلا فاقتصر في نهاية عهده على مصر، وذلك نظرا لاضطراب الأحوال وتغير الوزراء لحد وصل أن الوزير كان يتغير كل أسبوع إلى أن وصل أنه يتغير كل يوم، وكان الخليفة المستنصر بالله يقوم بشراء 100 طن من الغلال ويضعهم في مخزن تابع للخلافة حتى يتحكم في سوق الغلال ويمنع جشع التجار، واستمر هذا الحال إلى أن أشار عليه وزيره الناصر لدين الله ابي محمد الحسن بعدم تخزين الغلال نظراً للرخاء الذي يعم البلاد، وما أن وافق الخليفة على هذا الرأي الا وأن وقعت الشدة وعان الناس من المجاعة ومن جشع واحتكار التجار. وقد اختلف المؤرخون حول تفسير هذا فمنهم من رأى ذلك احتكار الخليفة للسوق وظلم للتجار، ومنهم من فسر ذلك بحرص الخليفة على الرعية وتوفير ما يحتاجونه، ومنع التجار من احتكار السلع.
احداث الشدة المستنصرية:
شهدت الخلافة المستنصرية العديد من الأزمات وكان أبرزها الشدة المستنصرية التي امتدت لمدة سبع سنوات من عام 457هـ- 1065م/ 464هـ -1071م، وقد اختلف المؤرخين على تحديد عام بداية الشدة، وإن كانوا يتفقون على أنها استمرت سبع سنوات، فابن إياس يذكر بدايتها عام 451هـ، وابن أيبك يذكر أنها كانت عام 448هـ، ويذكر السيوطي أنها كانت عام460هـ، وأما المقريزي فيحددها بسنة 457هـ ونهايتها سنة 464هـ، وربما كان سبب هذا الاختلاف تعدد الروايات وتوالي الأزمات الاقتصادية في هذه الفترة التي تطرق إليها المؤرخون، وقد شاءت الأقدار ان لا تقتصر معاناة البلاد على ضعف الخلافة والفوضى السياسية، واختلال أحوالها فجاء نقصان منسوب مياه النيل ليضيف إليها أزمة عاتية، فتعطلت الأرض عن الزراعة وانتشرت أعمال السلب والنهب وعمت الفوضى، واشتدت المجاعة حتى لم يجد الناس شيئا يأكلوه فأكلوا الميتة والبغال والحمير، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا.
وذكر ابن إياس أن من العجائب التي لا يصدقها عقل والتي وقعت في زمن تلك المجاعة، أن الناس أكلوا الكلاب والقطط، وأكل الناس بعضهم بعضا، كما ذكر ابن الأثير أنه اشتد الغلاء، حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، وباعت جواهر تساوي ألف دينار بثلاث مائة دينار، فاشترت بها شوالًا من القمح، فانتهبه الناس، ونهبت هي منه، ما خبز لها رغيفًا، ووقفت على مكان مرتفع وهي تصيح: "أيها الناس، فلتعلموا أن هذه القرصة كلفتني ألف دينار، فادعوا معي لمولاي المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقومت عليَّ هذه القرصة بألف دينار!!" ومن هنا جاء طلب الخليفة بالاستعانة ببدر الجمالي للخروج من تلك الأزمة.

وعمل على تنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة برفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، وأدى انتظام النظام الزراعي إلى كثرة الحبوب، وتراجع الأسعار، وكان لاستتباب الأمن دور في تنشيط حركة التجارة في مصر، وتوافد التجار عليها من كل مكان.
ومما سبق يتضح لنا أهمية الأمن والأمان في استقرار أحوال البلاد وتخطي الأزمات، فضلا عن أهمية الجسور والسدود التي حمت مصر من تقلبات أحوال النيل سواء بنقص المياه أو فيضانه مما يؤثر بالسلب على حياة العباد.