التقويم الميلادي والتقويم الهجري
1-التقويم الميلادي
حينئذ كان التقويم الشمسي المصري، الأكثر دقة،مجهولاً للعالم الخارجي لأنه كان يُحْرَس بعناية شديدة من قبل الحكام والكهنة وعندما احتلت الإمبراطورية الرومانية مصر، علم الإمبراطور الروماني جوليوس (يوليوس قيصر) عن هذا التقويم أثناء فترة إقامته في مصر، ووجده تقويمًا متفوقًا جدًا في كل الجوانب بالمقارنة بالتقويم المستخدَم في روما، فاستعان بأحد علماء الفلك من الإسكندرية يدعى (سوسيجنيس (Sosigenes لتعديل التقويم الروماني القديم فقام بوضع تأريخًا مستندًا إلى السنة الشمسية لتفادي تغير الفصول وبذلك تحول الرومانيون من العمل بالتقويم القمري إلى التقويم الشمسي،وسمى هذا بالتأريخ "الجولياني أو اليولياني" نسبة إلى الإمبراطور جوليوس (يوليوس قيصر)وجعل أيام السنة 365 يوماً وربع اليوم (6ساعات)،باثني عشر شهرا، وعدد أيام الأشهر الفردية 31 يومًا والزوجية 30 يومًا، باستثناء شهر فيفري "فبراير" الذي يخصم منه يوم واحد ليتم الحساب 365 يوم و6 ساعات في السنة البسيطة العادية بإستثناء السنة الكبيسة التي يسترجع فيها فبراير يومه الثلاثين ليستوي الحساب على 366 يوم كل أربع سنوات استدراكًا لما يضيع من ساعات الحساب بسبب تراكم من 4 إلى 6 ساعات، حيث إنّ الكسور في السنوات الثلاث تُجمَع فيضاف يوم في السنة الرابعة وقد دخل التقويم اليولياني حيز التنفيذ سنة 45 ق.م.
ولم يكن ليقوم جوليوس قيصر بكل هذا العمل دون أن يخلد اسمه في هذه الرُّزْنَامَةُ، والرُّزْنَامَةُ :كُتيَّبٌ يتضمن معرفةَ الأيام والشهور وطلوع الشمس والقمر على مدار السنة، فكان يجب أن يحمل أحد الأشهر اسمه، فكرمه مجلس الشيوخ بذلك، ولأن كل الأشهر الأولى من جانيواريوس وفيبرواريوس حتى جونيوس تحمل أسماء الآلهة المقدسة، فقد وقع الاختيار على شهر كونتليوس أي (الخامس سابقا)، فأصبح يحمل اسم القيصر جوليوس "يوليو" حاليا.

وبعد مرور اثنا عشر عامًا تحديدًا في عام 33 ق.م، عقب انتصار الإمبراطور إكتافيوس الملقب بأغسطس (أي المهيب) على "كليوباترا" ملكة مصر، قرر مجلس الشيوخ أن يحمل أحد أشهر السنة اسم القيصر أغسطس تشريفا له،ووقع الاختيار على الشهر الذي يلي جوليوس "يوليو حاليا"وهو "سكستيليس" (السادس سابقا) "أغسطس حاليا" لكن المشكلة أن حظ أغسطس وقع في شهر بثلاثين يوما فقط، وهو لا يرضى لنفسه أن يكون أقل شأنا من جوليوس، فقرر مجلس الشيوخ خصم يوم من فيفري "فبراير" الذي أصبح بثمانية وعشرين يوما وإضافته لأغسطس ليصبح بواحد وثلاثين يوما تماما كالشهر الذي يسبقه جوليوس وحتى لا تتوالى ثلاثة أشهر ميلادية بعدد أيام بواحد وثلاثين يوم وهم (شهر جويلية – أغسطس–سبتمبر) فقد عكسوا القاعدة التي وضعها الفلكي سوريجين وجعلوا شهر سبتمبر وهو شهر فردي بثلاثين يومًا، وبعده شهر أكتوبر وهو شهر زوجي بواحد وثلاثين يومًا، وبعده نوفمبر بثلاثين يومًا ثم ديسمبر بواحد وثلاثين يومًا وهذا يعني أن الفرق بين السنة الميلاديّة والهجريّة نحو 10 أو 11 أو 12 يوماً، أي أنها أقصر بـأحد عشر يومًا تقريبًا من السنة الشمسية ويعتمد ذلك على إذا ما كانت إحدى السنوات الميلاديّة أو الهجريّة كبيسةً أو كلاهما معاً سنتين كبيستين، وهذا ما يفسر دوران السنة القمرية حول كل الفصول خلال اثنان وثلاثين سنة، أي أنّ أول السنة الهجريّة لا يتوافق مع أول السنة الميلاديّة إلّا مرّةً واحدةً كلّ اثنان وثلاثين سنة.
التقويم اليولياني المسيحي
التقويم الگريگوري Gregorian calendar

لوحة زيتية تجسد البابا گريگوريوس الثالث عشر
وكان ذلك دافع لتعديل موعد الإحتفال بعيد الفِصح وهو "عيد القيامة" إلى 21 مارس وهو الوقت الذي اتفق عليه مجمع نيقيه الأول عام 325م، وذلك لارتباط عيد الفصح بالاعتدال الربيعي، بدلا من وقعه في 11 مارس بفارق عشرة أيام، وقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية أن هذا انحراف ثابت في تاريخ عيد الفصح وغير مرغوب فيه فكلف البابا گريگوريوس الراهب إليسيوس ليليوس ليقوم بتعديل التقويم اليولياني فتم الاتفاق على حذف ثلاثة أيام كل 400 سنة وأن تكون السنة القرنية (التي هي من مضاعفات 100) سنة بسيطة إلا إذا قبلت القسمة على (400) بدون باقي، وهكذا نام الناس يوم الخميس 4 أكتوبر 1582 واستيقظوا يوم الجمعة ليجدوه موافقاً 15 أكتوبر 1582.

لوحة جدارية تجسد مجمع نيقيه
ولولا مكانة البابا الدينية ما كان هذا الأمر ليقبل عند جُمُوع الناس ولذلك قاومت الدول غير الكاثوليكية هذا التقويم حتى استقر الأمر عليه في القرن العشرين فقبلته كل الدول مدنيًا، لملائمته للتجارة الدولية وآخر البلدان الأوروبية التي اعتمدت الاصلاح هي اليونان، عام 1923ولكن القيادات الدينية لم تقبل هذا التعديل في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والرومية، واستمروا على استعمال التقويم اليولياني، الذي أصبح الفرق بينه وبين التقويم الگريگوري حاليًا 13 يومًا. لذلك فحسب التقويم الگريگوري المستعمل يعيد المسيحيون الشرقيون في 7 يناير مع أن الجميع يعيد في 25 ديسمبر ولكن كل حسب تقويمه.

رسم تعبيري يبرز، يمين الصورة البابا گريگوريوس الثالث عشر وإلى يسار الصورة التقويم الگريگوري
ومن الملاحَظِ أنَّ الكنيسةَ كانت تتحَكَّمُ بالتأريخِ الميلاديِّ في أرجاءِ الإمبراطوريةِ الرُّومانيَّةِ؛ ممَّا يعني انطباعًا بالاهتمامِ الدِّيني النَّصْراني بموضوعِ التأريخِ والتأريخُ الميلاديُّ حاليًّا هو التأريخُ الگريگوري أو الجوريجوريُّ غيرَ أنَّ بعضَ الفَلَكيِّين يرون أنَّه سيحتاج قطعًا يومًا من الأيامِ إلى تعديلٍ، إذا كان الهدفُ هو المحافظةَ على انطِباقِ السَّنةِ الشَّمسيَّةِ على الفُصولِ الأربعةِ، وبناءً على ما تقدَّم فإنَّ التأريخ الميلاديَّ في الأصلِ كان رومانيًّا، عَدَّله بعضُ الملوكِ والرُّهبان، ونسبوه لميلادِ المسيحِ عليه السَّلامُ جُزافياً.
2-التقويم الهِجري
يختلف التقويم الهجري عن الميلادي في حساب الأشهر؛ إذ يقاس الهجري بدورة القمر حول الأرض، لتحديد الأشهر القمرية أو الأشهر العربية والمناسبات الدينية، كالأعياد، ووقت الحج، والصيام، وغيرها على خلاف الميلادي الذي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس، مما يؤدي إلى تباين أيام الشهر بين 29 و30 يوما في التقويم الهجري، أما الميلادي فهو محدد الأيام، ونتيجة لهذا الاختلاف فإن السنة الهجرية تنقص كل عام 11 أو 12يوما عن السنة الشمسية، وهو ما يجعل الشعائر والمناسبات الإسلامية تحدث في فصول وأوقات مختلفة.
وقد كان العَرَبُ قبل الإسلامِ يستخدمون التقويمَ القَمَريَّ ويتعاملون مع الأشهُرِ القَمَريَّةِ، ولكنهم لم يعتمدوا تقويماً خاصاً بهم يؤرخون به أحداثهم وتاريخهم، وإنما اعتمدوا في تأريخهم على بعض الأحداث التاريخية المعروفة عندهم، مثل: عام الفيل، وهو العام الذي ولِدَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وحرب الفجار، وإعادة بناء الكعبة في عهد عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الأحداث الهامة،وبعدما هاجر المسلمون إلى المدينة أصبح لهم كيانَهم المستَقِلَّ، وبدأوا يُطلِقون على كُلِّ سنة من السنوات اسمًا خاصًّا بها، فكانت السَّنةُ الأولى تسمَّى الإذنِ، والسَّنةُ الثانيةُ كانت تُسَمَّى الأمرِ، والسَّنةُ الثَّالثةُ تسمى التمحيصِ، والسَّنةُ الرَّابعةُ تُسَمَّى الترفِئةِ والسَّنةُ الخامِسةُ تسَمَّى الزِّلزالِ، والسَّنةُ السَّادسةُ تسَمَّى الاستئناسِ، والسَّنةُ السَّابعةُ تسَمَّى الاستغلابِ، والسَّنةُ الثَّامنةُ تسَمَّى الاستواءِ، والسَّنةُ التاسعةُ تسَمَّى البراءةِ، والسَّنةُ العاشِرةُ تسَمَّى الوداعِ.
نشأة التقويم الهجري
وفي رواية أخري؛ ورد خطاب إلى أبى موسى الأشعري مؤرخًّا في شعبان، فأرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: يا أمير المؤمنين، تأتينا الكتب، وقد أرِّخ بها في شعبان، ولا ندرى أيُّ شعبان؟ أشعبانُ هذه السَّنةِ التي نحن فيها، أو السَّنةِ الماضية أو الآتية؟! فجمع عمر رضى الله عنه الصَّحابةَ رضوان الله عليهم ليضعوا حلًا لهذا اللبس، وقال أبو داود الطَّيالسيُّ عن قُرَّةَ بنِ خالدٍ السَّدوسيِّ عن محمَّدِ بنِ سيرين قال: قام رجلٌ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال: أَرِّخوا. فقال: وما أَرِّخوا؟ فقال: شيءٌ تفعَلُه الأعاجِمُ؛ يكتبون في شهرِ كذا من سنة كذا. فقال عُمَرُ: حَسَنٌ، فأرِّخوا، فقالوا: من أيِّ السنين نبدأُ؟ فقالوا: مِن مَبعَثِه. وقالوا: مِن وفاتِه. ثمَّ أجمعوا على الهِجرةِ. ثمَّ قالوا: وأيُّ الشُّهورِ نبدأُ؟ فقالوا: رَمَضان. ثم قالوا: المحَرَّم؛ فهو مُنصَرَفُ النَّاسِ مِن حَجِّهم، وهو شهرٌ حرامٌ، فاجتمعوا على المحَرَّمِ... ثم قال بعد ذلك ابنُ كثيرٍ رحمه الله تعالى: والمقصودُ أنَّهم جعلوا بداية التأريخِ الإسلاميِّ مِن سنة الهِجرةِ، وجعلوا أوَّلَها من المحَرَّمِ فيما اشتَهَر عنهم. وهذا هو قولُ جمهورِ العُلَماءِ.
ونُلخص من ذلك أنَّ اختيارَ التاريخِ الهِجريِّ تمَّ بإجماعٍ من الصحابة رضوانُ الله تعالى عنهم، والإجماعُ حُجَّةٌ قاطعةٌ، وأيضًا هذا يدُلُّ على أنَّهم كانوا يستخدمون التقويمَ القَمَريَّ بدليلِ أنَّهم يتحَدَّثون عن شهرِ شعبانَ، وأيضًا هذا التأريخُ لم يكُنْ لعباداتِهم فقط، بل لجَميعِ أُمورِ دُنياهم، ويجعلونَه رمزًا إسلاميًّا.
الأشهر قبل الإسلام
كانت عادة العرب قديما في تسمية الأشهر أن تكون وفقا لأحداث فارقة تقع لهم أو تبعا لظواهر تميز هذه الشهور، لكن المسميات تغيرت بعدما قررت العرب توحيد الأشهر القمرية، فرمضان كان يسمى "ناتق" لأنه كان يزعجهم بشدته عليهم، وقيل لكثرة المال فيه بعد معارك شعبان، وشوال كان يسمى "وَعِل" (وَعَلَ معناها لجأ)، حيث كانوا يهربون من الغارات والقتال قبل الأشهر الحرم، وذو الحجة كان يسمى "ميمون" و"بُرَك"، لما فيه من البركة في الحج، وجمادى الأولى كان يسمى "حنين"، بسبب حنين العرب المسافرين فيه لبلدانهم بعد الربيع، وهكذا، وبسبب الترحال وعدم الاستقرار، ولم يشر العرب إلى السنوات بالتواريخ الرقمية، بل كانوا يربطون الأعوام القمرية بحوادث كبيرة كحرب الفجار وعام الفيل، وفي عهد كلّاب بن مرة وهو الجد الخامس للرسول صلى الله عليه وسلم) اتفق رؤساء القبائل العربية على تسميات جديدة للأشهر الهجرية، ومنها الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، التي استقوها من عهد النبي إبراهيم عليه السلام، وثبتت حتى في عهد الإسلام وحُرم فيها القتال.
تقسيمات الشهور الهجرية
قسم العرب الشهور الهجرية إلى قسمين كالتالي:
القسم الثاني :الأشهر الحِلُ: وهي بقية الأشهر الهجرية الاثني عشر، ويبلغ عددها ثمانية، وهي كالتالي: صفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، وشعبان، ورمضان، وشوال. وسميت بالأشهر الحِلُ لأن القتال فيها كان حلالاً عند العرب في الإسلام والجاهلية.
معاني أسماء الشهور:
ومما سبق يتضح لنا أن التقويمات الفلكية المختلفة هي وسيلة لحساب الفترات الزمنية بُناء على العديد من الظواهر السماوية كتغيير الأيام والليالي، والمراحل الدورية للقمر وحسابات السنة الشمسية، ويعتبر التقويم الميلادي والهجري هما التقويمان الاساسيان المستخدمان في مصر.
المصادر والمراجع:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- استخدام التاريخ الميلادي: عبد اللطيف القرني.
- بعد مرور 1440 عاماً على الهجرة، كيف ولماذا بدأ التقويم الهجري: حنين كنعان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للمزيد من الموضوعات "اضغط هنا"